أحمد بن علي القلقشندي

475

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

عسكر ، أو قتل أمير كبير بذنب ، أو ما يناسب ذلك ، أرسل إليه وأعلمه به ، وإن كان لا افتقار إلى استئذانه ، ولكنها عادة مرعيّة بينهم . وقد ذكر في « مسالك الأبصار » عن نظام الدين بن الحكيم الطياريّ أنه لم يزل يكتب إلى كلّ من القانات الثلاثة ، يأمرهم بالاتحاد والألفة ، وإذا كتب إليهم بدأ باسمه قبلهم ، وإذا كتبوا إليه بدؤا باسمه قبلهم . قال : وكلهم مذعنون له بالتقدّم عليهم . قال في « مسالك الأبصار » : وأهل هذه المملكة هم أهل الأعمال اللطيفة ، والصنائع البديعة ؛ التي سلمت إليهم فيها الأمم . وقد تكتب ( 1 ) الكتب من أحوالهم بما أغنى عن ذكره . قال : ومن عادة المجيدين في الصنائع أنهم إذا عملوا عملا بديعا ، حملوه إلى باب الملك ، وعلَّق عليه ليراه الناس ، ويبقى سنة ، فإن سلم من عائب أسدى إلى صاحبه الإحسان ، وإن عيب عليه وتوجّه العيب ، وضع قدر الصانع ولم يوجه العيب [ على ] من عابه . وقد حكى المسعوديّ في « مروج الذهب » أن صانعا منهم صوّر عصفورا على سنبلة في نقش ثوب كمخا وعلقه ، فاستحسنه كل من رآه ، حتّى مرّ به رجل فعابه باستقامة السنبلة ، لأن العصفور من شأنه أنه إذا وضع ( 2 ) على السنبلة أمالها . وحكى في « مسالك الأبصار » عن بدر الدين حسن الإسعرديّ أن بعض صنّاعهم عمل ثيابا من الورق وباعها على أنها من الكمخاوات ( 3 ) الخطائية ، لا يشكّ فيها شاكّ ، ثم أظهرهم على ذلك فعجبوا منه . وحكي عن الشريف حسن السّمرقنديّ أنه كان بهذه البلاد ، فشكا ضرسه ، فأراه لرجل من الخطا ، فوضع يده عليه ، فأخرج منه قطعة متأكلة ، ووضع مكانها قطعة من ضرس أجنبيّ ، ودهنه بدهن وأمره أن لا يشرب ماء يومه ، فالتصق حتّى

--> ( 1 ) لعله : وقد تكفّلت الكتب الخ . ( 2 ) كذا في الأصل . ولعل الصواب : « وقع » . ( 3 ) نوع من اللباس يلبس في الشتاء . وهي منسوبة هنا إلى بلاد الخطا .